الباقورة أرض الحشد الى حطين

“تذكر أنك في أرض معركة حطين”.. 

هذا أول الدهشة، وتلك بدايات المعرفة بما خفي من التاريخ في الباقورة، حين يأتيها المشتاق محاولا سبر غور هذه الأرض التي غابت عنا، محتلة مدة خمسة وأربعين عاما.. 

إنها الباقورة..  

هي الآن “مشتاقة تهفو إلى مشتاق”، وتريد أن تبوح بكل ما لديها، ماضيا وحاضرا، كي تعرف الأجيال أنها كانت في كل مراحل تاريخها أرضا دائمة للحشد وللمعارك! 

هذه أولى العبارات التي تلاحق المتبارك بأرض الباقورة، وهو يشاهدها في كل المعالم هناك لأنها تاريخ مشرّب بمياه النهرين المتجدد في نقطة الالتقاء بين اليرموك والأردن، حيث واحة برهان الوصل، وبؤرة مثلث التقاء الأشقاء من الأردن وفلسطين وسوريا: هناك على مرمى التفاتة هي الجولان، وفي الزاوية الأخرى طبريا، وهنا الباقورة. 

تذكر..  

أيها القادم إلى ملتقى النهرين، أن كل إطلالة في هذا المكان تحمل في تفاصيلها فيضا من تاريخ معتق بالدم، ولهاثا من عرق الصامدين فيها، وهي إذ تستقبلك بجنانها الخضراء، وبزهورها العابقة بالمحبة، هي أيضا تنثر أمامك صفحات كتابها الذي لا بد من أن تعيد قراءته فوق ثرى الباقورة، وتتبع تفاصيل سطوره منذ تلك الدروب القديمة، وحتى استعادة الأرض في منتصف التسعينات من القرن الماضي، بعد أن احتلتها إسرائيل عام 1950م. 

 

“الأقحوانة”.. وجيش صلاح الدين 

يشير تاريخ الباقورة إلى أنها كانت منذ القدم جزءاً من “الأقحوانة” (المنطقة المعروفة بالشونة الشمالية الآن)، التي كانت هي منطقة الحشد الأمامية لمعركة حطين، التي كان موقعها إلى الغرب من بحيرة طبريا. 

كان هدف المعركة تحرير بيت المقدس، ويشير التاريخ إلى أنها وقعت في يوم السبت 25 ربيع الثاني سنة 583ه الموافق 2 تموز 1187م، بين المسلمين بقيادة صلاح الدين بن نجم الدين الأيوبي، وبين الصليبيين بقيادة نمي دي لوزينان، وقد كانت الباقورة حاضرة في الإعداد لهذا النصر، حيث كانت أرضها حاضنة للجيوش الإسلامية خلال خمسة أيام هي فترة ما عسكرت الجنود فيها وفي المناطق المجاورة لها قبل أن تبدأ المعركة في حطين، إذ إنها شهدت تحشد 25 ألف مقاتل مسلم لملاقاة 50 ألف مقاتل صليبي، فكان ثراها شاهدا على تفاصيل المعركة، وعلى التجهيزات السابقة لها، حين كانت الحشود المتمركزة فيها ترفع راية الحق، والجهاد، فتتآلف مع المكان قداسة، وتاريخا، وحقا منقوشا بالدم وبالإيمان. 

 

معركة اليرموك 

كأن القدر كتب على الباقورة أن تكون في كل فترات تاريخها نقطة تجمع ومواجهة للجيوش في حروبها، ففيها كان يتم التجهيز والتجمع، وهي جزء من ساحة الحرب لكثير من المعارك الإسلامية في فتوحات بلاد الشام. 

كما أن نهر اليرموك الذي يمر من شمالها جعلها بؤرة أساسية في معركة اليرموك الشهيرة، فكانت أرضها جزءا من ساحة المعركة، وهذا النهر الذي اختلطت مياهه بالدم كان شاهدا على تلك البطولات في تلك المعركة. 

والباقورة التي تباركت بجيوش معركة اليرموك، هي أيضا رأت فلول التتار الهاربين بعد هزيمتهم في معركة عين جالوت، إذ تفيد كتب التاريخ بأنها كانت ممر خروج التتار في هروبهم من أمام وجه الظاهر بيبرس، بعد انكسارهم من قبل المماليك في تلك المعركة، فكان طريق خروجهم من خلال الباقورة، وكانت الجيوش الإسلامية تتبعهم حتى تنقذ هذه الأرض الطهور من ظلمهم. 

 

فَرق الخط .. ومأساة الاقتطاع 

ثمانمائة واثنان وثلاثون دونما هي مساحة الباقورة المستعادة.. 

تلك الأرض التي كان احتلالها بعد حرب 1948م بسنتين، أي في العام 1950م ولهذا الزحف على هذه الأرض المباركة قصة يمكن سرد تفاصيلها بأنه بعد حرب ال(48) تم تأشير خط وقف إطلاق النار بين الأردن وإسرائيل بموجب اتفاقية الهدنة عام 1949م والتي تتطابق مع وصف الحدود بحسب صك الانتداب باستثناء منطقة الباقورة، حيث أنه تم رسم خط عريض على الخارطة أدى هذا الفرق في حجم الخط إلى اقتطاع مساحة 832 دونما من الأراضي الأردنية، وعلى اثر هذا قامت إسرائيل بالاستيلاء على أراضي الباقورة عام 1950م. 

كان صك الانتداب في مادته رقم 25 في عام 1922م  يثبت الحدود على النحو التالي: “ابتداء الحدود الأردنية من خليج العقبة جنوبا، بخط يحدد في نقطة واقعة على خليج العقبة بمسافة تبعد ميلين إلى الغرب من مدينة العقبة مارا بوادي عربة فمنتصف البحر الميت، نحو نهر الأردن شمالا وحتى التقائه في منتصف اليرموك فالحدود السورية”. 

وبناءً على هذا فقد تم بتاريخ 25 حزيران عام 1995م ترسيم الحدود مع إسرائيل،  وحسب ما جاء بالمعاهدة من قبل فريق مشترك، وبذلك تم إعادة الأراضي التي كانت محتلة من قبل إسرائيل إلى السيادة الأردنية وعلى رأسها منطقة الباقورة وذلك في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال. 

 

جسر المجامع 

للجسر ذاكرة عايشتها الباقورة.. 

وكأن فيه الرسالة الأهم التي يشي بها ذلك التراث القديم المتواجد على هذه البقعة للدلالة على التقاء حضارات مختلفة في هذا المكان، حيث استطاعت أن تبني تاريخا، وتترك معالم، وآثارا ما زال الجسر هو أفضل معبر عنها.. 

الجسر هنا، هو جسر المجامع، وهو تاريخيا كان يسمى جسر “الصنبرة”، ومن خلاله كان مخرج ماء نهر الأردن، لكنه ما كان جسرا واحدا كما يعكس لفظ تسميته، بل هو ثلاثة جسور وجدت في منطقة واحدة، ولهذا تم تسميته “المجامع” لتجمع تلك الجسور في ذات الموقع. 

 إن جسر المجامع، يعود في تداعيات ماضيه إلى ثلاث حقب زمانية/حضارية تعاقبت على استثمار المعبر هناك في فترات متباعدة، وقد كان أولها في العهد الروماني حين بنى هؤلاء الجسر الروماني القديم، ثم في زمن الخلافة العثمانية تم بناء جسر مجاور، هو واضح الآن وعليه بقايا خط سكة الحديد كجزء من تفرعات الخط الحديدي الحجازي، وبعدها في فترة الانتداب الإنجليزي تم عمل جسر إنجليزي متداخل مع الجسر الروماني فكانت بذلك في هذا المكان ثلاثة جسور يجمعها المكان لكن تفصل بينها الأزمنة، مع وضوح الشواهد الباقية منها حجارة وحديدا وعقودا هندسية قديمة يؤلف بينها ماء نهر الأردن الذي يجري تحتها بكل ثقة، ويعكس في تجليات حضوره الزخم والدهشة في جماليات هذه البقعة التي تعد فسيفساء طبيعية تتجلى فيها أجمل المناظر التي من الممكن أن تقع عليه عين، في لوحة قوامها النبات الأخضر، والشجر، والطيور، والماء، والدفء، ونقاء الهواء، والصمت الذي له مهابة تعكسها قداسة النهر، وتاريخ المكان. 

هناك.. على الجسر، ما زالت قاطرة الخط الحجازي على السكة الموجودة في جزء منها، بينما يظهر في الضفة المقابلة للنهر، على طرف الجسر الآخر، مبنى الجمرك العثماني القديم، وهو عبارة عن قلعة عتيقة ما زالت قائمة، ويعتقد أهل المنطقة أنه معبد يهودي للتعبد، بينما الحقيقة تشير إلى أنه يتم استخدامه من قبل الإسرائيليين كمتحف تاريخي، يصل في ذهنيتهم إلى درجة القداسة، ويوجد فيه مجسم متكامل لمشروع روتنبرغ، تم عمله وتخليده في هذا الموقع لأغراض استذكارية تاريخية. 

 

مشروع روتنبرغ 

هذا المجسم, في تلك البقعة المقابلة, يفتح الطريق لمحاولة إعادة قراءة ذلك المشروع منذ بداياته التي يروي تاريخ الباقورة عنها بأن الانتداب البريطاني كان قد أعطى شركة روتنبرغ, التي أسسها اليهودي الروسي الأصل “بنحاس روتنبرغ”, صلاحية استثمار مياه نهري الأردن واليرموك عند نقطة التقائهما لتوليد الطاقة الكهربائية لمدة سبعين عاما, مع حق توليد وتوزيع الكهرباء حتى في الضفة الشرقية باستثناء بلديات السلط(19) والكرك وعمان(20) مع عدم استخدام المياه في منطقة المشروع من قبل أية جهة  لأي غرض إلا بموافقة الشركة. 

وفي عام 1929م أصبح صاحب الشركة رئيسا للمجلس الوطني اليهودي في فلسطين, كما أنه يذكر في التاريخ حول هذه الشركة أن أول مدير لها كان هربرت صموئيل وهو أول مندوب سام بريطاني. 

هذا المشروع الذي يعرف أيضا بمشروع “إنارة عجلون(21) وفلسطين” , ما زالت أبنيته, وبقايا معداته في الباقورة, وهي ضخمة, متسلسلة في مراحلها جميعها التي تتضح لمن يريد رؤيتها في الموقع, إذ أن المقطع الأول من مشروع روتنبرغ يوجد عند بوابة خزان اليرموك, وفيه يتم تحويل مياه النهر إلى خزان المشروع(خزان اليرموك) ثم يستمر من الخزان إلى قناة تسمى بقناة خزان اليرموك باتجاه موقع مشروع “بنحاس روتنبرغ” بمولداته الضخمة وأبنيته الكبيرة. 

أنت أيها المبهور بهذا المشروع اعلم أن تاريخ المكان أقدم منه,  وأبقى,  وتذكر أنه حديث وقد بدىء بإنشائه في عام 1921م، وقد قامت مظاهرات واحتجاجات عربية كثيرة ضده، لكن الانتداب استمر في تعنته، وفي إعطائه لهذا الامتياز حيث اكتمل المشروع عام 1931م، لكن التشغيل الفعلي له يمكن تثبيته في عام 1936م. 

غير أن الأحداث المتعاقبة، وسير وجهة التاريخ، عطلت استمرارية المشروع، حين تم قصفه وتخريبه عام 1948م، عندما وصلت إليه نيران المعركة، حيث أنه كان يوجد للإسرائيليين في هذه المنطقة حاميتان قويتان من اللواء الذي كان يسمى اللواء “جولاني”، والمتمركز في كل من مشروع كهرباء روتنبرغ شمال شرق جسر المجامع، ومستعمرة”جيشر” غرب ذلك الجسر. 

يشير سير المعركة إلى أن الحامية انسحبت من المشروع إلى مستعمرة “جيشر”, بعد أن نسفوا جسر المجامع, وكانت هذه المنطقة من مسؤولية الجيش العراقي الذي أبلى فيها, وقصفها أيضا بالمدافع, ودخلها بمدرعاته ومنشاته, فكان هذا النسف للجسر من قبل الإسرائيليين في سبيل إعاقة تقدم القوات العراقية, وبهدف قطع الاتصال البري بين ضفتي نهر الأردن في تلك المنطقة, حيث جاءت القوات العراقية واحتلت منطقة المشروع, إلا أن مدير المشروع, آنذاك, وكان يدعى”أبو يوسف”, قام قبل الانسحاب بنسف منشآت المشروع وتخريبها, كما أن المدفعية والطيران العراقي قصف جزءا من المشروع وما زالت آثار التخريب والتدمير باقية حتى الآن شاهدة على تداعيات تلك الفترة. 

 

كسارة المشروع 

قريبا من النهر.. 

وليس بعيدا عن المشروع, كانت الشركة في تلك المرحلة أثناء أعمال البناء تستغل رمل النهر, وحصاه, بالإضافة إلى مياهه حيث أنها أقامت هناك كسارة لهذا الغرض, وحتى تقوم بتزويد المشروع بما يحتاجه من رمل للبناء. 

والآن, ورغم مرور سنوات على تدمير المشروع إلا أن تلك الكسارة ما زالت باقية آثارها, ولكن الصدأ أكل منها, مثلما وصل إلى قطع المشروع ومنشآته, فلم يتبق منها إلا تاريخ, وذاكرة تعيد المتأمل لها إلى تلك السنوات في بداياتها ونهاياتها معا. 

 

 

الخط الحجازي 

الخط الحجازي..مازالت آثاره باقية، ومعالمه تشير إلى أثره الكبير في المكان، وفي الأحداث السابقة، إذ أن البواقي الحاضرة من  سكة الحديد والتي يراها من يدخل الباقورة تعيده إلى فترة نهايات العهد العثماني، فمن هنا كان يمر الخط المتفرع الى فلسطين. 

تشير الذاكرة الى أن هذا الخط الحديدي، وقبل أن يصل إلى جسر المجامع، يوجد له محطة ثانوية يمر منها على أطراف الباقورة المستعادة، فيها بواقي البناء هناك، وبعض قضبان سكة حديد ثابتة في المكان، ثم تنقطع هذه السكة إلى أن تتضح معالم الخط فيما تبقى منه على الجسر التركي في المجامع، وهناك ما زالت باقية منه قاطرة، تقبع على الجانب الآخر من الجسر، وبجانبها محطة الجمرك العثمانية. 

ومكتوب في وثائق الخط الحجازي أن هذه السكة هي جزء من احد الفروع الخمسة للخط الحجازي في الأردن، فيما يعرف بالفرع الشمالي الذي يمكن تتبعه بأنه يتفرع من درعا(22) وينحدر جنوبا إلى وادي اليرموك، ويسير محاذيا لنهر اليرموك في الأراضي الأردنية حتى يصل إلى جسر المجامع. 

 

الباقورة..القرية 

ما تزال الباقورة تبوح بما لديها.. 

تعود في الذاكرة إلى إيقاع الحياة فيها ذات سنين ماضية، واصفة حركة الناس الذين واطنوها، فبنوها، وبثوا دم التواجد فيها..  

البدء في بؤرة القرية المأهولة بالبشر الذين أحبوها, فقضى بعضهم نحبه فيها، والبعض الآخر يسير مع الحياة ثابتا على تمسكه بتراب القرية هناك.. 

بعد تلك النقطة، يسير الذي يريد تدوين بعض من كتاب الباقورة إلى نقطة الحد التي كانت موضوعة لتفصل بين القرية المكتظة بأهلها، وبين مشروع روتنبرغ. 

الذي يصل إلى هناك يرى كتلة أسمنتية، تمثل الحد بين نبض البشر الذين تشربوا تربة الباقورة “كابرا عن كابر”، وبين من استثمر قريبا منهم بقوة خارجة عن إرادة الطيبين في قريتهم..تلك النقطة مكانها على التلة حيث المقبرة القديمة، لذا كان لا بد من البدء في تتبع سيرة المكان من هناك، حيث العلامة التي كانت تقسم حوض ثلاثة من أرض الباقورة إلى أرض القرية، وأرض المشروع (مشروع روتنبرغ). 

على تلك التلة تتجلى إطلالة النهرين، والمزارع، الشارع الرئيسي الواصل بين بيسان(23) وطبريا، ومرتفعات كوكب الهوى. 

 لكن المختار ماجد نواف المنسي (أبو نواف)، يقطع صمت التأمل باستمراره في الحديث عن هذه المقبرة مشيرا إلى ذلك الحد المنتصب في وسطها، ومضيفا بأن هذه المقبرة قديمة في تاريخها، إذ أن فيها قبورا بيزنطية وعثمانية، كما أنها ما زالت تستعمل مقبرة لموتى القرية.  

ثم يشير بيده إلى مكان قريب، حيث كان أذان العصر في جامع القرية، ولكنه لم يلتفت إلى مصدر الصوت عندما علّق بأنه يوجد هناك الجامع القديم، بل أشار إلى جدار مهدم، قريب من الجهة الأخرى للمقبرة، ومطل على الباقورة المستعادة، مبينا أن هذه الحجارة المتبقية كانت جزءا من مسجد عثماني قديم، وقد تدمرت أثناء القصف، ومع توالي الحروب في هذه البقعة. 

 

 

هجيج ال “48” 

سرنا قليلا في القرية .. 

شاهدنا أشجار الليمون والبرتقال تبارك مداخل الباقورة وبيوتها، إلى أن كان الحديث ذا الشجون تحت أشعة شمس دافئة في “حوش” بيت المختار. 

قال “أبو نواف” سأبدأ.. 

صارت القرية تنداح أمامنا وهو يعيدها من خلال ذاكرته، وما توارثه من قصص عنها، إلى عهود أسطورية ماضية، قال: هذه الباقورة من الممكن أن يكون اسمها تم اشتقاقه من الناحية اللغوية إلى أنها المكان الذي يقع بين سلسلتين جبليتين، أو انه من لفظ باقر، على وزن فاعل، بمعنى التبحر في العلم، على أساس أنها ارض معارك، وقد يكون أقام فيها احد الأولياء، أو الحكماء مثل محمد الباقر. 

عند هذه الملاحظة شاركنا الحديث المختار “السابق” محمد فواز العباسي “أبو حسن”، وقال أنه كان هناك معتقد شعبي حول اسمها يشير إلى انه من الممكن أنها كانت تربى بها الأبقار بكثرة، فاتخذت الاسم كمجمع لتربية الأبقار والإتجار بها، وفي مرحلة أخرى من تاريخها يشار إلى أنه كانت تتم من خلالها عملية نهب الأبقار من “الأعداء” في الجهة المقابلة، حيث يتعدى الرجال بتلك الأبقار النهر إلى أن يوصلها إلى هذه القرية فتتجمع فيها، كميات كبيرة ويصار إلى ترحيلها، وبيعها في أماكن أخرى. 

كانت نقطة “التعداية” والانتقال من “المخاضة” توجد في طرف القرية حيث مكان الجامع العثماني القديم، الذي كان الناس “يتعدوا” النهر، من هناك، ويصلوا إلى فلسطين، ويرجعوا، ولهذه المنطقة زاوية أخرى في الذاكرة حين عبرها “هجيج ال-48″ وقطعوها “بشخاتير” (قوارب صغيرة ومفردها شختورة). 

 

سبعة آلاف..قبل الحرب 

كان للنهرين ذاكرة عند أهل القرية.. 

فقد كان الناس في مرحلة ماضية، يعملون في صيد السمك كما أنهم كانوا “يعدّوا” المهاجرين بين الضفتين، لكن قبل ذلك كان المنطقة مفتوحة، إذ أن أهل الباقورة “كانوا يروحوا ويسهروا في فلسطين ويرجعوا للباقورة، فطبريا على بعد خمسة كيلومترات من القرية، وقرية بنات يعقوب على ملتقى النهرين، وكثير من أهل القرية، هنا، هم من قرى طبريا خاصة قرية العبدية وسمخ”. 

القرية تتذكر الكثير من أحوال تلك الأزمنة الماضية.. 

كان عدد سكانها قبل “حرب حزيران” نحو سبعة آلاف شخص، يشكلون تجمعا من عدة عشائر، لكن وعلى اثر “فترة حزيران والسبعين”، اشترت معظم هذه العائلات خارج القرية، بعضها في القرى المجاورة، وبعض آخر في اربد والزرقاء والمحافظات الأخرى، حيث تقلص على اثر هذه الهجرة عدد أهل القرية بحيث أن البقية الموجودة منهم الآن لا تتجاوز الألف نسمة، غير أن معظمهم من بقايا تلك العائلات الأولى، التي يمكن رصدها، وتتبع الأماكن التي أتوا منها، إذ أن في الباقورة أكثر من عشر عائلات موزعة في مرجعيتها على النهر شرقا وغربا، وهي بحسب ذاكرة المختار “أبو نواف” ومعرفته بهم:  

“الشلموني، والمنسي، والخضراوي، والبيطاوي، والهلالي، والرواشدة، والدلكي،  

والهنداوي، والشامي، والعباسي، والنعيمي، والقزق، والمساعدة”. 

 

خريطة القرية 

الحنين إلى الماضي, يجعل هناك إمكانية لإعادة رسمه مرة أخرى.. 

وهكذا فإنه من الممكن إعادة تصور قرية الباقورة من خلال تتبع ذاكرة أهلها متتبعين تفاصيلها أيام “عزها”، وحتى حرب حزيران.  

يعرف الكبار كثيرا من تفاصيلها، وكأنها ساكنة فيهم حتى الآن، فهم يرددون بحماس أنها كانت بلدة كبيرة، وكان فيها أكثر من مختار، منهم المرحوم “خليل إبراهيم الحاسي، وكان مختار الهنادي والحواسي”، والمرحوم “محمود زيد النماس، وكان مختار اللاجئين، وحسن حسين المنسي، وكان مختارا للأردنيين القدماء في القرية، أما مختار العباسي فكان حسن أبو عباس”. 

كما أن أهل الباقورة يؤكدون أنه كان فيها “أربع قهاوي” (مقاهي)، منها “قهوة خليل إبراهيم الحاسي”، و”قهوة مثقال الهنداوي”. 

وكان في القرية حركة تجارية قوية بحيث أنها احتوت أكثر من عشرين حاصل(دكان)، منها “دكان رحمة عوض احمد التركاني”، و”دكان رحمة زكريا هجرس الهواري”، وأيضا هناك ثلاثة ملاحم هي “ملحمة المهلاوي”، و”ملحمة المرحوم نايف الفلاحه”، و”ملحمة المرحوم اسماعيل العوض”.  

 

“الساعه ساعة الله” 

“نقابة ضرّيبين الطواري”، هكذا يطلق أهل القرية التسمية على أول نقابة تشكلت للعمال الزراعيين في الباقورة، وكان الذين شكلوها هم “رحمة سعيد عيسى منسي”، وقد كان يعمل رئيس ورشه، و”رحمة عارف أبو عباس”، و”رحمة حسن محمد مصطفى الشلموني”. 

تقول الحكاية أنه كان عمال القرية يشتغلون عند ثلاثة إقطاعيين في القرية هم عثمان ناصيف، والباشا عبد المهدي الشمايله، وعند الأعجام (وهم جماعة أصولها من ايران، وكانوا موزعين بين قرية العدسية والباقورة)، هذا كان في الفترة “من الخمسين للخمسة وخمسين” من القرن الماضي، وكان هناك مخفر خاص في العدسية لحماية الأعجام، بينما كان المختار هو المسؤول في القرية عن الحماية، وعن ترتيب العمال الذين كان يطلبهم العجم. 

كان العامل في تلك الفترة يشتغل “الساعة ساعة الله، يروح مع الشمس، ويرجع مغيبها، وأجرته خمسة قروش، وإذا أجا متأخر يرَوّح، لكن لما صارت النقابة عام 1956م، صار العامل ياخذ ثلاثين قرشا باليوم، ويشتغل بس ثمن(8) ساعات“. 

يتذكر أهل القرية من بعض معاناتهم أن “الشمايله كان إذا دخل خنزير على مزارعه أو انقطع قطف عنب كان يجيب فرسان المخفر, ويغرم البلد كاملا نص دينار عن كل عيله”. 

 

الحرس الوطني 

القرية التي تقع على الحدود، تمتلك قصصا عن معاناة أهلها في فترات التوتر، والاضطرابات.. 

يحكي أهلها أنه في فترة الستينات كان هناك عمليات تسلل كثيرة تحدث من خلال المنطقة المحاذية للباقورة، كان المتسللون يدخلون إلى إسرائيل وينهبون من هناك، ويخربون، ثم يعودون من خلال أراضي الباقورة. 

لكن الدولة عملت على وقف هذا التسلل، حين وضعت قوة حرس وطني، كانت تعطي الفرد منهم في كل شهر مبلغ خمسة دنانير، كما أنه كان يتم تدريب المواطنين على السلاح من قبل الجيش، وكان هؤلاء المواطنون يحفرون الخنادق حول القرية، ثم أحضروا لهم “رشاشات، وبنادق انجليزيه، وسْتنات (رشاشات ستن برن)، وكانت كلها موضوعه عند المختار المرحوم خليل إبراهيم الحاسي”. 

كان يطلب من أهل القرية من كل مواطن أن يلتزم بالحراسة ليوم في الشهر، وكانت الحراسة “على حَرف الشريعة من منطقة العدسية (الصينية) لغاية نهاية الباقورة في منطقة العراق، وكان على الكمين يكون اثنين، ويتبدلوا، وكان هذا الدوام مجانيا، بينما الحرس الوطني هم الذين يفتشون علينا، وبقي هذا الوضع حتى السبعه وستين”  

 

حوض ثلاثة من الباقورة 

الحبوب كانت هي “منتوج” القرية الذي تشتهر به..  

كانت كل سهولها مزروعة بالحنطة والشعير، وغيرها من الحبوب، هذا في أزمنة غير بعيدة من الوقت الحاضر، حيث دخلت زراعة الأشجار والمنتوجات الأخرى. يروي أهل القرية عن هذا التحول في استثمار الأرض بقولهم أن ما حدث كان بعد افتتاح قناة الغور الشرقية. 

ويتحدث “أبو نواف” عن ذلك قائلا: إن الدولة في السنوات 1963م-1965م قامت بإنشاء القناة (قناة الملك عبد الله)، وبدأت حركة العمل في الغور، وصار الناس يشتغلون مع الشركة الإيطالية التي أخذت العطاء، كما أنه صار يأتي للقرية وللعمل هنا عمال آخرين من خارج المنطقة، وسكنوا عندنا، لكن منطقة حوض 3 من أراضي الباقورة (أرض المشروع والقرية) لم تكن ضمن الخطة للقناة، لهذا فقد فكر الناس في كيفية ري المزروعات الجديدة التي صاروا يزرعونها (الخضار، والموز، والبطيخ، والفلفل، ..)، بدلا من الحبوب، فكانت فكرة أن يقوموا بري أراضيهم من النهر، و”صاروا يشتروا موتورات ويركبوها عالنهر، ويرووا أراضيهم، ومن أوائل هؤلاء اللي جابو موتورات المرحوم محسن اسماعيل العزام، والمرحوم ذياب أبو عباس، وماهر الناصر”. 

أما إسحاق الشامي، هكذا يقول المختار، فقد أعطى أرضه وكان مساحتها 400 دونما، ضمانا إلى عيسى رؤوف الحلبي، “وحطوا عليها موتورات وبلشت تنزرع خضار، وهي ذاتها المنطقة التي أجرت إلى المشروع فيما سبق. 

 

 

 

موتورات مقابل بطاقات المؤن 

 

يتحدث أهل القرية أن وكالة الغوث للاجئين في أوائل الستينات، بالاتفاق مع وزارة الإنشاء والتعمير، عرضت أرض مشروع روتنبرغ على أهالي الباقورة مقابل سحب بطاقات المؤن، في مقابل أن تعمل لهم مشروع موتورات وأقنية، ثم توزع عليهم، “لكن ما وافق إلا اللي ساكنين بالمشروع أهل البشاتوه والمغاربة، وعملت لهم المشروع، بدل كروت المؤن، لمدة خمسة وثلاثين عاما، بشرط أن لا يزرعوا أشجارا دائمة، وتكون زراعتهم على مستوى الخضار فقط، لكن بعد ال(68)، ولما صارت الاعتداءات، “هجّت الناس، وهجرو القرية، لكن جزء منهم رجع بعد أن انتهت أحداث السبعين”. 

“يعني صار أهل القرية يزرعوا بيارات، و”ظل هذا الوضع” إلى أن قامت سلطة وادي الأردن بعمل مشروع الرشاشات الذي ضم منطقة حوض ثلاثة، وفي حينها حاولت أن تضغط على “المغاربة والبشاتوه”، لكي تعمل معهم عقود جديدة لمدة عشر سنوات بحيث يتم استئجار الدونم بثلاثة دنانير، فكان أن وقع قسم من المزارعين، بينما رفض القسم الآخر لأنهم يمتلكون موتورات وقادرون على استغلال الأرض. 

 

المدرسة 

تسطر “سواليف” كبار القرية، أحاديث توضح بعضا من سيرة التعليم في الباقورة، والمعاناة في هذا المجال، إذ أن أول مدرسة أقامتها وكالة الغوث في الأغوار(24) كانت مدرسة الباقورة، في عام 1950م، وقد بقيت حوالي خمس سنوات يتم التعليم فيها، داخل الخيام، ولا يوجد بناء لها. 

كان طلابها، كما يروي المختار”أبو نواف”، “بيدرسوا فيها، وكانوا يجوها من الشونة الشمالية، والعدسية، والمشارقة، ومنطقة المشروع، إضافة إلى أهل القرية”، كما أنه كان التدريس فيها من الصف الأول حتى الثاني ثانوي، إلا أنه في “المترك” (المرحلة الأخيرة للتخرج من المدرسة حيث لم تكن المرحلة الإعدادية مشمولة آنذاك)، كان الطلاب “يروحوا يدرسوا في اربد”، وكانت النتائج تتوزع بين (أ أو ب)، وقد تخرج من الباقورة أسماء مهمة مثل د. أحمد الترعاني “اللي اخذ تقدير أ في المترك ودرس في القاهرة وهو في المستشفى الإسلامي الآن”، والشاعر د. محمود الشلبي، والطيار أحمد خفاجه، والعميد رافع الهنداوي، وغيرهم.